أنواع الأمراض
النفسية
تتنوع الأمراض
النفسية تنوعا كبيرا وتختلف باختلاف مصادرها وأعرضها ونتائجها ولا يخفى ما بين
الأمراض النفسية وبعضها من تشابه كبير تجعل غير المتخصص حائرا بين كثرة الأسماء
والتعداد رغم التشابه الكبير الذى يكاد يكون كاملا بينها وبين بعضها حيث أن أكثر
الأمراض النفسية تختلف فى أسمائها لاختلاف عرض واحد قد يتوافر فى مرض ويمتنع فى
أخر مما يدفعنا الى القول أنه بحسب أسس التصنيف الذى يتبعه علماء طب النفس فى تصنيف
هذه الأصناف فانه يمكننا القول أن هذه الأمراض متنوعة وكثيرة ويكاد لا يحدها حصر
أو يجمعها عدد حيث أنها متباينة وشديدة الكثرة وتختلف باختلاف مسمياتها أكثر من
اختلاف مضامينها 0
لذلك فانه فى رأيى
أن الأمراض النفسية تخرج من بوتقة واحدة هى الوهن النفسى والضعف المعنوى الداخلى
الذى يغلف قلب الانسان وجوهره الذى هو روحه التى يحملها والتى تسمو به الى السماء
اذا ما صحت وتهوى به الى الأرض اذا ما سقمت 0 (1)
ومن هذا المنطلق
وبدافع الحرص على بيان أنواع المرض النفسى الذى سيبين لنا من سردها ومحاولة بيان
أعراضها أنها تعيش مع غالبية أهل الأرض تقلل من ادراكهم ودرجة تركيزهم وبالتالى من
درجة انتاجهم وابتكارهم وايضا من درجة استمتاعهم
بالحيلة حيث يغدو الانسان فاقدا للحياة غير شاعر بها يتمنى الموت وينتظره كثيرا
ما يتعجله وأحيانا يبذل فى سبيل ذلك عندما يصل المرض النفسى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عادل
صادق ، المرجع السابق ، ص 17 0
29
الى ذروته ـــ فعلا ايجابيا كأن يعمد الى قتل نفسه
تأكيدا منه على كرهه للحياة وعدم استمتاعه بها حيث يشعربها جحيما مقيما يعيش
بداخله لا يجد خلاصا منه الا بالموت حيث يتصوره مخلصا له من ألامه 0
والحقيقة أن المرض النفسى باختلاف أنواعه يجعل الانسان
متخبطا غير مدرك بالواقع غير شاعر بمضمون الحقيقة غير أبه بما يدور حوله ينظر الى
الأمور بنظرته القاصرة فيراها محبطة ومعرقلة والكون كله سواد والجميع يستحق القتل
لأنهم وحوش ليسوا بشرا 0
والمريض مرضا نفسيا أيا كان مرضه انسان يتسم بالحساسية
المفرطة والقابلية للتصديق السهل والسريع سواء كان بحديث غيره أو حديث نفسه اليه
تقبحه وتهينه وتبعث الشكوك فى نفسه فيصدقها ويؤمن بها ويستمع اليها فتزداد وتستفحل
حتى تدمره ولا تبقى له من عقله جزءا يفكر فى استمتاع أو عمل 0
المريض نفسيا يرى الحياة كئيبة محزنة غير مجدية لا تستحق
العناء هو شخص غاية ما يفشل فى عمله
لانشغاله الدائم وشروده المستمر وبعده عن الواقع فى كل ارائه واندفاعه وثورته
العنيفة0
هو شخص ــ لهذه الصفات ــ فاقد للصداقة يعانى الوحدة
لايتقبله الناس جليسا بينهم لايعتبرونه صديقا لهم يشركونه فى أغراضهم ولا يعرضون
عليه أفكارهم لأنهم ببساطة يعلمون أن عقله ليس مالكا لقدرة سماع الغير والبحث عن
حلول لمشكلاتهم فهو غارق لأذييه فى مشكلات وهمية غير أبه لما يحدث حوله يحسب
الحسابات بناء على أسس خاطئة يجانبها المنطق واستخدام العقل بدرجة مائة بالمائة 0
30
فالحقيقة أن لقصة
الخلق أهمية وأن لمعرفتها ضرورة تحدد حركة الانسان واتجاهاته ودرجة استمتاعه بالحياة
وابتكاراته 00
إن الانسان لم يخلق
لكى يعيش حزينا مكتئبا متخبطا مترددا 0
إن الانسان لم يخلق
لكى يمضى به قطار العمر فى هموم وبكاء وحزن وكمد 0
إن للإنسان دور خلاف
الثورة والاندفاع والهياج الشديد لمجرد سماع رأى يخالف أرائه فى موضوع ما 0
انه مخلوق لعمار
الكون والاستمتاع بالحياه 0
جاء لكى يغير وجه
الكون البكر ويطور فيه وينميه بحسب أطوار حياته وبحسب درجة احتياجاته0
إن عليه أن يكتشف ما
وضع الله فى الأرض من خيرات ما جعله يتصرف فيه خليفة عليه 0
إن له دورا بناءا
مفاده الارتقاء بالانسانية ومحاولة جعل وجه الحياة أفضل 0
إن الانسان خلق
لرسالة عظيمة سامية بها من الرقى والسمو والحضارة الكثير والكثير 0
إن للبشر دور كبير
لايراه أكثرهم بوضوح ، حيث شغلتهم عللهم النفسية والاضطرابات الوجدانية
التى ألمت بهم عن التفكير فى قيمة الحياة وقصتها وهدفها0
اذن 00 فهناك رسالة
منطقية خلق الله الانسان من أجل تحقيقها فهو وبحكم المنطق ــ لم يخلقه لكى يعذبه
ولم يخلقه لكى يعذبه ولم يخلقه لكى تكون حياته دائما جحيما يعيش فيه مكتئبا وحزينا
واهنا ضعيفا فقيرا مجردا من كل شئ 0
31
إن الله خلق كل انسان ولديه 90% من مقدرات حياته 0
وأكثر امكانيات تحقيق ذاته وغالبية القدرة على فعل ما
يشاء وقتما يريد 0
إن القول بغير ذلك يجعل الانسان حبيسا لتصرفات غيره
يجعله مملوكا لسواه طالما كان مالكا لأسباب حياة غيره 0
لذلك فإن الله سبحانه وتعالى قد خلق كل فرد من عباده
قادرا على تحقيق ذاته بدرجة كبيرة جدا وذلك دون الاستعانة بغيره وذلك فى حدود
معينة وأنه بتصور غير ذلك ، حيث أنه بأفتراض صحته يجعل الانسان تحت رحمة من يماثله
فى كل شئ وهو ما يخالف العقل والمنطق اللذان قامت عليهما الحياة 0
إن الحياة كنز وإن السير فيها فن وإن العيش فيها موهبة
لايكاد يعرف ذلك الاحفنة من الناس تقوم عليهم الحياة هم وجهها وسبب تقدمها ورقيها
وإن ذلك لا يعنى أن بقيتهم غير ذوى جدوى أو أهمية 00 إن لكل إنسان دور فى إعمار
الحياة وقبل ذلك يقيم عماد حياته ويعيش فيها ولها موقفا سعيدا قادرا على فعل كل شئ
غير معاق بأى شئ مهما كان 0
وأنه لكى يكون الإنسان كذلك يجب أن تكون درجة تأثره بكل
ما حوله أو بأى شئ حوله صفر بالمائة ، حيث أنه اذا قلنا أن الإنسان لكى يكون
طبيعيا غير شاذ يستحيل ألا يتأثر بما حوله يستحيل ألا يغضب اذا ما استفزه أحد أو
يحزن اذا ما خذله انسان أو يحنق اذا لم يحصل على شئ يعتقده حقا له أو يكتئب اذا
جاءت عدة أمور متتالية غير موافقة لهواه غير موائمة لرغباته 0
اذا قلنا ذلك فإننا نحكم على كل من يتنفس الهواء ويقف
على قدمين وله هيكل ابن أدم ــ نحكم عليه بالجلوس جوار حائط والنحيب على حاله وما
حدث له وماسيحدث له والتفكير فيمن خذله والحزن على من وثق به الى أخر ذلك من
المشاعر عديمة القيمة التى لها من الهدم ما ليس لها من البناء 0
32
إن الإنسان لم يخلق لذلك أنما خلق لكى يعيش سعيدا بداية
خلق لكى يعمر وينتج ويبتكر ، خلق لكى يشارك بوضع لبنة فى صرح الإنسانية الشامخ 0
إن منطق الحياة من حولنا والعقل الذى خلقنا الله به لكى
نعرفه ونعبره هو الذى يحتم القول أن الحزن على شئ ضرب من ضروب العبث وإن اعتبار شئ
مشكلة تعوق حياة الانسان عجز كامن فى نفس الانسان ليس فى استحالة خارجية فى ظروف
أو مؤثرا تحيط به 0
الخلاصة :
إن الانسان كائن قدراته غير محدودة يستطيع تحمل كل شئ ،
يستطيع فعل أى شئ كما أن باستطاعته فعل أكبر المنجزات بابتسامة ودعة منظم موحه
ومترابط 0
إن الانسان الذى يسير فى الحياة ويعمرها ويؤثر فيها هو
الانسان الذى لا يتأثر بفعل غيره مهما كانت درجة اتصاله به كأن يكون موجها اليه
سواء بدرجة مباشرة أوغير مباشرة 0
إن الانسان يملك فعله هو ذاته ولا يملك فعل غيره فكل
ماله هو أن يمنع تأثره بنتيجة الفعل الموجه نحوه لأنه لايوجد شئ فى الحياة يمكن أن
يفرض على الانسان 00 ان ما يفرض على الانسان نتيجة لافعال غيره يكون نابعا أساسا
من عجزه على مواجهة الأثار الناتجة ع أفعال غيره0
33
إن الانسان الموفق والواعى لمضمون وقيمة الحياة هو الذى
يعمل تحت أية ظروف ويستطيع الاحتفاظ برجاحة عقله ودرجة تركيزه مهما كانت الأحداث ،
فهذا هو الانسان خليفة الله فى الكون الفائز فى اختبار الحياة 0
وانسان بهذه الصفات لابد أن يكون مبتكرا ومخترعا ، لذلك
فهذا الانسان بالذات هو رائد الحياة وعامر ما حوله وليس سواه يفعل ذلك 0
انه يفعل ذلك بابتسامة برضاء دون عناء أنه يقول الكلمة
المناسبة فى الوقت المناسب يتصرف أكثر التصرفات ملائمة للموقف الذى يحدث له سريع
البديهة بدرجة تفوق أكثر السرعات وأعلاها ، لايحتاج أن يقبع بمكان هادىء لكى يخطط
ويدبر، انما هو مرتب الذهن تحت أية ظروف بمجرد حدوث الفعل أو صدور القول يكون
تصرفه المناسب أو قوله الملائم تلقائى ودون عناء واحتياج لبرهة تفكير 0
إن طبيعة الحياة هى التى تفرض وجود هذا الانسان 0
إن منطق خلق الله وأنه لا يعبث بنا وهو سبحانه منزه عن
ذلك هو الذى يفرض ذلك ان الانسان قادر على فعل أى شئ وكل شئ وان ذلك لا يتوقف على
أشياء خارجية وانما يتوقف بدرجة مائة بالمائة على قدراته النفسية التى تنهض
بقدراته العقلية والبدنية ، فاذا ما احتاج لشئ من بعد ذلك كلكى يحقق له ما يريد
فانه يصنعه ويبتكره ، وهذا بالضبط ما يفعله المخترعون الذين ازدهرت الحياة على
أيديهم 0
من هذه المقمة الطويلة نخلص الى أن المرض النفسى مضاد
لحركة الانسان فى الحياة لا يتوافق معها ولا سير له بجوارها ولا استمرار لها مع
وجوده وان اصابة الانسان به تجعل حياته عديمة الفائدة ، فمعنى حياة الانسان فى
العطاء 0 والمرض النفسى بكل بساطة يعدم هذا العطاء 0 (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)عادل صادق ــ المرجع السابق
، ص 159
34
من هذا المنطلق وذلك المفهوم نتعرض لأنواع الأمراض
النفسية وتطبيقاتها ، على أن نعرض لأهم هذه الأمراض وأكثرها شيوعا يمكن معرفة
أثارها المقصودة ومحاربتها والقضاء عليها هى وغيرها ، حيث أن لها جميعا ذات الصفات
ونفس الأثار ، وعلى ذلك نبأ فى عرض وبيان القلق والوساوس والمخاوف والاكتئاب
والهوس والتهيؤات باعتبارها أكثر تلك الأمراض شيوعا وسيطرة على حياتنا 0
القلق :
هو التوجس من النتائج والتفكير دائما فيما قد يحدث نتيجة
للتصرفات الصادرة عن الانسان 0
والقلق يخرج من بوتقه عدم الثقة بالنفس وانعدام أونقص
الشعور بالقدرة على مواجهة أى شئ مهما كانت درجة شدته أو صعوبته وهو ينشأ لدى
الانسان نتيجة لغرس عدم الثقة فى نفسه عن طريق تقبيحه فى طفولته أو سنوات تكوينه
نتيجة لتصرفات صدرت عنه ويستمر هذا الاسلوب فى تربيته حتى يفقد الانسان القدرة على
رؤية الأشياء ، فيصير غير واثق من صحة أفعاله ، وبالتالى غير واثق من صحة أفعاله ،
وبالتالى غير واثق من ملائمة نتائجها ، لذا يكون الانسان المصاب بالقلق مضطربا غير
واثق بذاته مترددا يتلعثم فى الحديث وبالتالى منزويا بنفسه حتى لا يظهر تردده أمام
غيره 0
إن صاحبه مهموم لأنه لايثق فى أى فعل يأتيه ، لذلك فحياته
جحيم ووهن لا يكاد يستمتع بها ، حتى ان الابتسامة التى يطلقها عبر شفتيه يتشكك فى
ملائمتها ومناسبتها للموقف الذى يكون فيه0
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
عادل صادق المرجع السابق ، ص27
0
أحمد عكاشة ــ الطب النفسى
المعاصر ، ص112 0
35
ولا يخفى ما لهذا المرض من أثار على تقييم الانسان لذاته
0
حيث يشعر بالدونية والفشل مما يؤدى أحيانا مع توافر علل
نفسية أخرى الى الاندفاع لارتكاب أفعال لاتوافق السلوك القويم للمجتمع ، خاصة اذا
علمنا كما سبق أن بينا ضرورة اجتماع عدة أمراض نفسية مع بعضها البعض اذا استمرت
أسباب نشأته وبالتالى وجوده واستمراره 0
حيث يجتمع القلق مع الوساوس أو التهيؤات فيدفعه هذا
المجموع الى ارتكاب ما يعد وفقا للنمط العادى والمألوف للسلوك منكرا وغير مستحب 0
الوساوس :
هى أفكار خبيثة تراود الانسان من الحين للأخر وأحيانا
تلازمه لا تفارقه حتى فى نومه ، حيث تجعله عاجزا عن التفكير السليم أو الاستماع
لشئ غيرها 0 (1)
وهى بذلك تدمره ذاتيا حيث تحقر من شأنه أو من شأن
الأخرين فى صورة أصوات تتردد داخله دائما تسبه أو تلعنه أو تقبح غيره ترميه بالكفر
أو تنعته بالزندقة وتشعره بالدونية حتى يصل للحاجة الى الصراخ بأعلى صوته ناكرا ما
تنعته به معذبته وما تحاول أن تفسد به عليه حياته ، فهو يعلم كذب هذه الوساوس
ولكنه يتهيأعدم الاستطاعة اللازمة لوقف تراود هذه الأفكار التى تجعله رغم رفضه لها
وايمانه بعد صدقها غير قادر على منع نفسه من التفكير فى سواها0
فهى تهاجمه اذا ما بدأ فى العمل لتفسد عليه اكتماله وتمنع
تمامه ، تأتيه اذا ماجالس أصدقائه
أو حادث اخوانه أو لاطف أهله أو رعى أولاده أو التقى
بأحبائه أو استمع لحبيه أمه وأبيه ، تلقى فى رأسه الأفكار المليئة بالتحقير
والمفعمة بالحط من قيمته والمجتمعة حول غرض واحد هو ضرب الانسان فى مقتل لا يسعد
ولا يهنئ من حوله به ،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عادل
صادق ، المرجع السابق ، ص37
أحمد عكاشة ، المرجع السابق ، ص 136
36
حيث تهاجمه فى الأوقات التى يتحتم أن يكون سعيدا فيها
قادرا على تلقى الحديث ورده فى كلمات دقيقة مترابطة جميلة تبعث الود والحب فى
القلوب تربى الألفة بين الناس لكن المرض يحصل له اللاشئ فيخرج صفر اليدين لم يسعد
ولم يؤثر فيمن حوله ، وحالة كهذه تجعله يحجم عن الاجتماع بأى شخص يتجنب الحديث مع
أى فرد أيا كانت درجة اتصاله به 0
ولا يخفى ما لهذه الحالة من أثار وخيمة على الانسان وما
لتلك الأعراض من قدرة على تشتيت ذهنه وصيرورته شاردا دائم النسيان غير منصت لصوت
غير أبه لحركته غير مفكر بشئ هام دائم الحزن يرثى لحاله ، حيث يتمنى لو تزول تلك
الأعراض ، ولكنه فى الحقيقة يرغبها لأنه يريد الانتقام من ذاته لضعف يراه فيها ،
لأنه طالما يعرف ضلالها وكذبها ورغم ذلك لايستطيع التخلص منها فهو يريدها بدرجة ما
ولو أقنع نفسه ومن حوله محاولة الخروج من هذه الأفكار ، غير أنه يفشل فى ذلك 0
وهنا تبرز امكانية الوقوع فى الخطأ ، حيث أن واجب النجاح
استمرار الحياة يدفع الإنسان الى نبذ أى أفكار مدمرة أو معرقلة لحياته وحقه فى
الاستمتاع بالحياة يحثه على ترك ما يجعله حزينا دائم الهموم والرغبة الدفينة فى
ايذاء النفس تنازعه فى اتجاهه نحو ذلك فتخرج تصرفاته متخبطة غير مستقيمة تجلب
التأنيب عليه وتسبب التوبيخ والاستنكار لأفعاله 0
المخاوف :
هى شعور بعدم الأمان
من شئ معين أو من كل شئ وهى مشاعر تنبعث داخل الانسان تجعله يخشى أى شئ وكل شئ ،
يخشى مواجهة الناس ، يخشى مواجهة العمل معهم ، يخشى الالتحام بهم ، يخشى الاقتراب
منهم ، كما يحذرمن اقترابهم منه 0 (1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عادل
صادق ، المرجع السابق ، ص44 0
أحمد عكاشه ، المرجع السابق ، ص 144 0
37
إن الخوف مرض نفسى
عتيق يمسك بتلابيب القلب فيوهنه ويوقفه عن التقدم والسمو بالنفس البشرية ، حيث
يجعل الانسان بلا قيمة مترددا مرعوبا من كل ما حوله يستشعر ايقاع الأذى به من كل
انسان ومن كل شئ حتى يصل اقتناعه بذلك لدرجة خوفه من حيوان أو حشرة لا تؤذى
أمثالها كأن يخاف من فأر صغير أو من صرصور ضعيف ويتهيأ فى خوفه منه أنه الذى يحمل
كل الشر الموجود فى العالم ، هذا الشعور يحطم الانسان ويجعله فزعا وغير قادر على
مواجهة شئ بالمرة 0
ومع حدوث ضغوط على
الانسان ومع توفر عدة علل نفسية أخرى فانه قد تصحو فى الانسان غريزة الدفاع عن
النفس فيخرج ما فى روحه المتألمة كل ما حملته من مخاوف تكونت لديه من كل شئ صادفه
ضد شخص ما كان أخر من أثار لديه مخاوف واستيقظت بسببه تلك الغريزة داخل المريض
فيندفع فى مواجهته بكل ما له من قوة ويكيل له ما يستطيع دفاعا عن حياته وكيانه
الذى انهار نتيجة لهذه المخاوف0
وكان حظ من أثار هذه
المخاوف تعسا بدرجة أو قعته فى وجه غضبة نفس ملتاعة ترد على كل من أثار خوفها وأرق
نومها 0
الاكتئاب :
مرض خطير ومنتشر
وفيه أعراض كثيرة من أمراض نفسية متعددة وهو شعور بالحزن الشديد يكون فيه الانسان
متصورا للدنيا سوادا والحياة جحيما وأهم ما يميز المصاب بهذا المرض أنه يصل اليه
عبر عدة أمراض نفسية منها القلق والمخاوف والوساوس ، حيث أنه من الأمراض النفسية
الشديدة نوعا ما ، (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)عادل صادق ، المرجع السابق ، ص72 0
أحمد عكاشه ، المرجع السابق ، ص 339 0
وكذلك هندرسون وجلسبى ، ص10 0
38
ويصاب المريض
بالاكتئاب بأعراض كثيرة أهمها كره الحياة وانتظار الموت وتمنيه والصمت الدائم
والحزن المنبعث من العينين يشعر الناظر اليهما أنه ممتد وساكن بالقلب يكون صاحبهما
كسيرا حزينا لايقوى على السير مشدودا الى مقعده قليل الحركة كثير العزلة ميال
لسماع الأشياء المحزنة معلقا عليها بأن البؤس هو الحياة وأنه قيمتها ، وانما خلقنا
للعذاب دائم التهكم غير شاعر بأكثر ما يدور حوله وغير ذلك من الأعراض التى تعبر فى
ذاتها عن وجود يأس واحباط لدىى انسان استفحلا ووصلا الى هذه الدرجة من الشعور بهما
وذلك يكون اما نتيجة فشل فى تحقيق أمال أو طموح أوعدم رضاء عن أوضاع معينة يراها
المريض أمامه 0
أيا كان سبب
الاكتئاب فمن المؤكد أنه يجعل الانسان فى مستو ذهنى منحدر جدا 0
وكما قلنا اذا اجتمع
معه علل نفسية أخرى تجعله يقدم على ارتكاب الحماقات دون تقدير لعواقبها ، لأنه
ببساطة يكون فاقدا فى تلك اللحظات أسس التقدير السليم للحكم المنطقى على الأمور 0
الهوس :
شعور زائف بالسعادة والميل الى الضحك دون وجود سبب (1)0
وهو مرض مقابل للاكتئاب حيث يحاول الانسان أن ينسى همومه
ومشاكله باسلوب مرضى يجعله خارجا عن الأسلوب المنطقى والسليم لمعالجة ما لديه من
مشكلات فيحاول الخروج منها عن طريق الضحك الدائم حتى ولو لم يكن هناك ما يدعو
للضحك وغالبا ما يتعاقب الهوس والاكتئاب اما فى دقائق أو ساعات أو أيام أو شهور
وتزيد هذه المدة أو تنقص بحسب شدة ضعف النفس والوهن الذى الم بها الذى يعبر فى
كلتا الحالتين عن وجود مشكلات رأها المريض كثيرة عليه ولا يستحقها ولايقدر على مواجهتها
فلم يجد غير الحزن على نفسه وسيلة للتعبير عن رفضه لها وكرهه لنزولها به أو الضحك والسعادة
المفتعلة لنسيانها على اعتبار أن الحياة لاقيمة لها وأن ما بها كله لايساوى شيئا
وأنه احسن الناس وغير ذلك مما يدعوه الى محاولة الضحك الدائم 0
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عادل
صادق ص75 ، وأحمد عكاشة ، المرجع السابق ص144 وانظر هندرسون وجلسبى ص 11 ،12 ،13 0
39
ولاشك أيضا ان الإنسان المصاب بالهوس أحيانا ما يتمادى
ويصل الى درجات قصوى فيه حيث يحاول اصطناع المواقف المضحكة التى تسعده حتى تنسيه
همومه فيصطنع مواقف فى الحقيقة لاتدعو الى الضحك اطلاقا ، ولكنه رأها كذلك ، فليس
المهم لغيره أن يوجد السبب المقنع والمنطقى المضحك وانما ايجاد مجرد سبب يضحك
لحدوثه قد يكون محزنا فى ذاته ولكنه رغم ذلك لا يراه بهذه الصورة فهو يضحك فقط
لمجرد اتيانه اى تصرف 0
ولا يخفى ان الحالات المتقدمة من هذا المرض قد تدفع
الانسان المريض بالهوس الحاد الى ارتكاب أية حماقة لمجرد كونها فعل شرطى لقيامه
بالضحك بغض النظر عن كون مضمونها يسبب ذلك أم لا بحسب الظروف العادية للأمور 0
التهيؤات :
هى ايمان الانسان بأفكار ورؤيته لصور وسماعه لأصوات
وشعوره بعلل يؤمن بصحتها ويعتقد بوجودها ولكنها فى الحقيقة ليست كذلك 0 (1)
وعلى ذلك فالتهيؤات اما بصرية واما سمعية واما لمسية أو
شمية 0
فالانسان المصاب بها قد يتخيل أنه يرى انسانا مصوبا اليه
سلاحا مثلا ويعتقد ويوقن تماما أنه كذلك أو يتخيل وهو ينظر اليه أنه مقطب الجبين
فى وجهه لأنه دميم أو لأنه يكرهه أو يحقد عليه أو يتخيل أنه نظر الى امرأته نظرة
رغبة رغم أنه لم يفعل0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)عادل صادق ، المرجع السابق ‘ص 74 وما بعدها ،
احمد عكاشه ، المرجع السابق ،
ص 301 0
وانظر : هندرسون وجلسبى ، ص 21 0
40
واما التهيؤات أو هلاوس سمعية ، حيث يتخيل سماع أصوات
معينة تقول له أشياء معينة يسمعها بوضوح ويعتقد صحتها 0
كأن يسمع أصواتا تقول له امرأتك زانية تخونك الأن مع
عشيقها فى منزل الزوجية أو أنها اقنعتك بأنها عند أبويها وهى فى شقة مع عشيقها
الأن ومكان الشقة هو كذا000
أو يشعر الانسان بأحد لمسه أو وضع يده عليه والحقيقة غير
ذلك ، أو يشعر أن حشرات تمشى على جلده أو تحته ، أو يشم روائح أشياء معينة مثل
روائح عفن أو وسخ قد يشعر بها منبعثة من جسده هو ذاته 0
ولا يخفى ما لهذا المرض من تأثير اذ أن أهم ما يميزه :
1- أنه
يجعل الانسان موقنا بصحة ما يتخيله 0
2- أنه
يجعله عاجزا عن مجرد التفكير فى عدم صحته 0
3- أن
تصديق ما يتخيله يجعله يتصرف على أساس صحته 0
4- ان
ذلك معناه احتمال الاقدام على فعل يتصف بالحمق تتفاوت درجة هذه الصفة فيه بحسب شدة ما يراه داعيا لارتكابه 0
5- ان ذلك قد يؤدى به الى
ارتكابه أفعال تخالف قواعد وأنماط السلوك المتزن فيقع تحت طائلة التأنيب وتطوله يد
قانون العقوبات اذا كان فيما فعله ما يخالفه 0
41
ويلاحظ أن التهيؤات تبأ بالوساوس حيث يكون الانسان شاعرا
ان ما يدور فى ذهنه غير صحيح ولكن اذا ساءت حالته النفسية نتيجة زيادة أسباب مرضه
فانها تنقلب تهيؤات يعتبرها حقائق يؤمن بها ويتصرف فى ضوئها 0
مما سبق يلاحظ :
ــ أن الأمراض
النفسية واحدة تعبر عن شئ جلى واضح 0
ــ أنها مظهر ذاتى
لضعف الانسان وعدم قدرته على مواجهة الواقع 0
ــ انها تصيب
الانسان فى مقتل حيث تصيبه فى وسيلة رقيه وسموه 0
ــ انها تصيب النفس
التى يحملها الانسان 0
ــ ان تلك النفس هى
ما يسمو بالانسان ويعلى من شأنه 0
ــ ان من شأن
الاصابة بها القعود عن العمل وتوقف الحياة سواء الشخصية أو العامة0
ــ ان ذلك مضاد
لحركة الحاية وللفهم السليم لها 0
ــ ان الأنسان ذاته
اذا لم يكن لديه الرغبة فى الشفاء منها فانها لاتتركه 0 (1)
ــ ان الانسان مخلوق
مكلف عاقل عبقرى لديه من القدرة على مواجهة كل شئ وتخطى أى شئ0
ــ انه يصنع حياته
وينميها ويوجهها 0
ــ ان القاعدة أنه
مخير ، كل أعماله نافذة أيا كانت صحيح أو خاطئة 0 خيرة أم شريرة 0
ــ انه اذا ضمنت
المقدمات ضمنت النتائج 0
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عادل
صادق ، المرجع السابق ، ص 150 0
42
ــ ان الله سبحانه
وتعالى بيده كل شئ وهو الذى ينفذ الأفعال لأنه خالق كل شئ ــ الأفعال وفاعليها0
ــ لأن الله كذلك
فان بامكانه عقلا أن يوقف أثار الفعل الذى صدر عن الانسان لأنه مالك كل شئ ولا شئ
يقع فى ملكه رغما عنه 0
ــ انه لا يوقف أثار
هذه الأفعال أيا كانت طبيعتها وذلك كقاعدة 0
ــ أنه لايوقفها
لأننا مخيرون نستطيع اختيار الفعل وتنفيذه دون اكراه من الله سبحانه0
ان ذلك معناه تكليف
لكل انسان بأن يحم نفسه بنفسه وأن يفكر لكى يعيش وأن يسع لكى يأكل 0
ــ ان الله لم يرد
لنا المرض النفسى ولا يرض به لنا لأنه ببساطة يقلل من قدرة الانسان على الحياة وهو
ما يعرضه للموت جوعا أو الفناء مرضا بسبب المرض النفسى 0
ــ ان الله سبحانه
وتعالى أقام الحياة على العقل وعلمنا المبادئ المحفورة داخلنا دون استثناء ،
فبامكننا فهم واعمال هذه المبادئ دون حاجة لكتب سماوية تقرر ذلك 0
ــ ان الصفات المذكورة
فى هذه الكتب وبخاصة بالقرأن الكريم وتتفق بالفطرة تماما حيث يشعر الانسان
بمناسبتها تماما لاتوجد صفة زائدة أو صفة غير موجودة 0
ــ ان هذه الكتب
جاءت لتذكرنا ان نسينا ولبيان أحسن الأساليب لعبادة الواحد الملك حسب الطريقة التى
يرغبها 0
43
ــ انه ارسلها
لتعليمنا كيفية الطاعة عملا وواقعا عن طريق بشر مثلنا يكونون قدوة لنا0
ــ ان ذلك لا يمنع
من اعتماد الانسان على ذاته وعلى عقله فى الفهم والاستيعاب 0
ــ ان الحياة تقوم
على عمل كل انسان خلق فيها تتقدم وتثرى من نتائج فعله الجيد وتتأثر بفشله نتيجة
لسوء أدائه فى حياته 0
ــ أن الوحدة الأساسية
لبناء الانسانية هى الانسان نفسه ليس سواه لابد أن تصلح لأنه وحده وبفعله الذى
يعمر الكون والله من فوقه يوفقه لأنه الملك يملك القدرة على فعل أى شئ فى ملكه ،
وانما القاعدة أنه ينفذ تصرفات عباده المختارين، اذ أن لهم السلطة على اتخاذ ما
يريدونه وتحقيق أثار ما انتوونه 0
ــ ان تخيل مايمكن
أن تكون عليه الحياة من صورة اذا ما صحت نفوس البشر كما أراد المولى لها يجعلنا
نتساءل عما فقدناه من قدرات ذهنية وامكانات بشرية عما فاتنا من مقدرات حياتنا ورقى
واقعنا 0
ــ انه بذلك يمكن
فهم مدلول عبارة أن المرض النفسى مضاد لحركة الانسان فى الحياة (1)0
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عبر
الكثيرمن الفقهاء عن ضرورة مواجهة الجانب النفسى للجريمة ولكنهم لم يجزموا بانتفاء
المسئولية الجنائية بالمرض النفسى حيث لم يتعرضوا له بصورة تفصيلية كما أنهم يلجأو
الى متخصصين لتقرير ذلك ــ انما لجأوا الى القراءات الشخصية التى لانحجر عليها ولا
نقلل من قيمتها 0
وكذلك لجأوا الى
علماء النفس وليس علماء طب النفس فخرجت النتائج ضعيفة يترددون كثيرا قبل تقريرها
حيث لا سند علمى قوى بظاهر قولهم الذين انتهوا اليه فخط قلمهم نتائج ولدت ضعيفة
فلم تقرر جديدا 0
الملاحظ أيضا أن
أطباء النفس ذاتهم لم يقرروا ما توصلنا اليه فى بحثنا صراحة حيث هالهم خطورة وكثرة النتائج المترتبة على
تقريرهم انعدام الادراك والتمييز أو نقصها بالمرض النفسى وذلك حسب الاحوال وبالتالى
امتناع المسئولية الجنائية أو نقصها فكانوا على اختلاف جنسياتهم مترددين فى
تقريرهم ذلك ومنهم من كان =
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق