الثلاثاء، 24 فبراير 2015

 
دولة العدل والإنصاف
‏ المحامي الدكتور الشريف ياسر الشاذلي - رئيس عام هيئة إيلاف آل البيت العالمية
      كانت ومازالت وظيفة الإنسان فى الأرض هي خلافة الله على الأرض وعمارتها ، وإقامة دولة العدل والإنصاف  فيها بين خلقه جميعا ، وقد تنكب الإنسان دوما طريقه إلي تنفيذ هذا التكليف ، تارة عبر تجبر القوي فيها وظلمه وجوره على من يظلمه وهو يعلم بطلان فعله ومخالفته لإرادة الله عز وجل وهو غير مبال ، وتارة عبر فعله كل هذا الجور ،  وإرتكابه لكل المظالم بإسم الله ودينه ايا كان هذا الدين ، معتقدا ومتوهما أن فى فعله ذلك رضاء الله وطاعة له ، بل وتنفيذا لمقتضيات خلافته لله وإقامة دولة العدل والإنصاف المنشودة فى الأرض .

  كان وما زال الإنسان متخبطا معوزا لكل المعونه الإلهيه الدالة على صوابية طريقه ، ومقبولية منهجه ، وفى شرح الحالين والواقع كل منهما والمتحقق عبر السنين والقرون التى مرت على البشرية ،  نجد منها الكثير والكثير ، للدرجة التى تدلل ماذا كانت تقصد تلك الملائكه فى قولهم لله ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) هذا ما فعله الإنسان حتي الان ، ولم يسد العدل هذه الأرض إلا قليلا وفى مساحات ضيقه جغرافيا خضعت لسلطان الأنبياء والرسل ، فترة حياتهم القصيره ، وفترة غلبتهم وسلطانهم القليله أيضا .

   وقال الله لملائكته جوابا لهم ( أني اعلم ما لا تعلمون ) نعم فهو يعلم عباده المكلفين من قبله بهذه الرسالة ، ويعلم انهم سيسفكون الدماء بكل الاسماء والنحل ، وعلى كل الوجوه والأشكال ، وعبر كل السبل التى عاونهم فيها ( إبليس والنفس الأمارة بالسوء ) (فسولت له نفسه قتل أخيه فقتله ) فتفننوا في ذلك حتي أن الوحوش الضارية اعجز عن محاكاة ما يفعله البشر الان وسابقا عبر عهود كثيره مظلمه مثل العهد الذي نعيشه الآن ، وبدأت أماراته وارهاصاته الكثيره تتضح .

ولكن ايضا علم الله لما لا يعلمه الملائكة ، أن فى هذه البشرية من سيقيمون العدل والإنصاف ويسودون به مهما طال الزمان وكثرت المظالم ، وساد الجور كما هو حادث الآن .

       وفى توصيف الوضع القائم فقد إجتهدت البشرية كثيرا فى وضع الشرائع الوضعيه التى تعلي من شأن حقوق الإنسان اللصيقه بشخصيته ، وجرمت المساس بها ، وإنتهاكها والعبث بها ، وحضت على صيانتها ، وعرفت البشرية فى القوانين الرومانيه وفى مدونة حمورابي ، وفى القوانين الفرعونيه قديما ، كما عرفت فى الشرائع السماوية ايضا حماية حقوق الإنسان ، وصولا الي عصورنا الحديثه ، التى انتجت تشريعات واعلانات وعهود ،  ومبادئ واتفاقيات اجمعت كلها على تجريم المساس بحقوق الإنسان اللصيقه بشخصيته ، والتى يعد المساس بها جريمه من جرائم المرتكبة ضد الإنسانية اساسا ، وقد تشكل ايضا جريمه من جرائم الحرب والإباده .
      ولما كانت اعمال العنف والقتل وسفك الدماء اصبحت تلبس من قبل القائمين عليها ثوبا قضائيا ، يتخذ شكل المحاكمات القضائيه الصوريه ، التى تبرر الإنتقام الممنهج او تغطيه وتضفي عليه مشروعيه مدعاة ومزوره ، فى شكل عدالة كاذبه تهدف لإيقاع الأذي على المخالفين اضطهادا من السلطة التى تتخذ تلك الإجراءات العقابيه التى تبدا من التلفيق وإساءة السمعه ، والحرمان من ممارسة حق الدفاع ، والحرمان من الحصول على محاكمة عادلة ، والتزوير فى المستندات الرسميه ، وارهاب وتهديد الشهود والإكراه على تقديم اعترافات كاذبة انتهاء بتقييد الحريات وسلبها ، والتوقيف على خلاف مقتضيات احكام القانون ، واخيرا سلب الحياة بموجب احكام صادرة فى محاكمات صورية ، فضلا عن الحرمان من حرية التنقل والسفر والعمل وحسن السمعه ، وغير ذلك من الحقوق اللصيقه بشخص الإنسان التى نصت عليها المواثيق والشرائع الدوليه الحديثة والتى لها ظل كبير،  ووجود حقيقي فى الشرائع السماوية .

إن ذلك كله منتشر فى منطقتنا العربيه ، وعبر سلطات الدول القائمة بالشرق الأوسط خصوصا اكثر من اي دول أخري ، على الرغم من ارتفاع مستوي التعليم ، ونسبة استخدام وسائل التواصل الإجتماعي ، وتستخدم تلك الدول سلطاته القضائية للبطش بخصومها ، وتنحدر فى ممارسات لها الي ان ما يصدر عنها وتسميه قضاء يكون هو والعدم سواء بسواء ، ويكون مجرد عمل مادي يمس حريات الناس ، وهو يمثل قمة وذروة ارتكاب لجريمة من جرائم الإنسانية وهى الإضطهاد المعاقب عليه بموجب القانون الجنائي الدولي .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق