الاثنين، 28 سبتمبر 2015

موجز المسئولية القانونيه للسلطات السعوديه عن حادثة مني - للدكتور السيد الشريف ياسر الشاذلي المحامي الجنائي الدولي

موجز المسئولية القانونيه للسلطات السعوديه عن حادثة مني

نتعرض فيما يلي لتوصيف الواقعه محل البحث ثم للتأصيل القانوني والمحاكم المقترحه المؤهله لنظر الدعاوي المتوقعه ، ثم تأصيل شرعية المطالبة بالإشراف المشترك على عملية الحج .

1 . توصيف الواقعه .

حالة تدافع وتكدس بشري ضخم من قبل الحجيج بمشاعر مني المقدسه أدت إلي وفاة ما يزيد عن سبعمائة حاج وفقدان المئات وجرح المئات .

فى ظل تخبط التصريحات الرسميه السعودية على كافة المستويات السياسيه والدينيه الرسميه ايضا ، والتى حملت الضحايا أنفسهم المسئولية الكاملة عما حدث لهم ، بما يشتمل عليه ذلك من ان اولئك الحجاج وبسبب هتافهم هتافات مذهبيه معينه ، فقد حدث لهم ما حدث.

أيضا فى ظل ورود معلومات وإفادات شهود عيان ، بإضطراب وسوء التنظيم من قبل السلطات السعودية ، فضلا عن إختلال المشهد وتحوله سريعا إلي مقتلة كبيرة لهذا العدد المعلن من الحجاج القتلي والمفقودين ، والمرشح لأن يكون فى واقعه اكبر بكثير بفعل عدد المفقودين غير المعلوم بدقة .

فضلا عن تقارير الصحافة العالمية ووسائل الإعلام التى نقلت معلومات عن أن السبب الفعال الذي احدث هذه الكارثة  الكبيره ، هو مرور موكب كبير لأحد المسئولين السعوديين الكبار ما احدث حالة الهرج والتدافع والتكدس وعكس السير ودهس الحجاج لبعضهم نتيجة للضغط عليهم للتراجع توسعة للموكب الرسمي  .

2 . الفعل المكون للمسئولية القانونيه الدولية  بشقيها المدني والجنائي .
·       السيطره المادية التامة للسلطات السعودية على كل ما يتعلق بحالة الحجاج  منذ وصولهم الي الأماكن المقدسه وحتي سفرهم عائدين الي بلادهم مرورا بتسكينهم وتسييرهم ، ونقلهم وتفويجهم ومراقبة ذلك كله ، وادارته بشريا ، و بكل وسائل التكنولوجيا الحديثة ، فضلا عن تقنيات إدارة الأزمات والحوادث الطارئة ، مع الخبره المتراكمه المفترضه لدي تلك السلطات ورجالها القائمين بالتنفيذ على الأرض وسبق وقوع حوادث مماثله سابقة ، واستخدام اساليب المحاكاة للسيطره على اسباب وقوع مثل تلك الحوادث .

·       بعد إنكار طويل ومخز ورمي القتلي بتهم انهم من تسببوا لأنفسهم بأنفسهم بما قد حدث لهم ، قام الملك السعودي بإقالة تاني اكبر مسئول عن عملية الحج بالمملكه وهو وزير شئون الحج وخمسة مسئولين آخرين بداع التقصير والتسبب فى وقوع الحادث .

إذن المعطيات الأولية شبه اليقينيه انتظارا للتحقيقات التى قد تعوقها مصاعب كبيره ، تحول دون وصولها للحقيقه كاملة لأسباب سياسيه تتلخص فى :

-         سيطره مادية متكاملة وتامة للسلطات السعودية على عملية الحج من بدايتها إلي نهايتها ،  بلا اي تدخل لأي عنصر اجنبي ، مع قدرة تامه على القيادة والسيطره ، والتوجيه للكتل البشرية المكونه للحجاج ، ومعلومات مؤكده نتيجة لذلك عن سوء تنظيم ، وعدم كفاءة فى إدارة تولد عنه الحادث ، مع مرور موكب رسمي أدي الي حشر وتكدس ودهس الحجاج ، وكان منظر القتلي اكواما ملقاة فوق بعضهم البعض بغير مراعاة لحرماتهم ، منظرا مخز لا يتوافق مع اي معايير انسانية او شرعيه خصوصا فى الموقف والظروف ، التى احاطت بعملية الوفاة ذاتها وموقعها وتاريخها وسببها ، وتنم مباشرة عن حجم الإستهانه بحيوات اولئك البشر من قبل من يتولون إدارة عملية حجهم ، ومن يفترض فيهم ان يخدمونهم مقابل مبالغ طائله يدفعونها اولئك الحجاج يحصلون عليها نظاميا ووفق ما ترسمه سلطات السعوديه  . وهذه الصوره ذاتها في تكدس اكوام القتلي بفعل بشري قام به جنود حاضرون مفترضون ينتمون للسلطات السعوديه ، وهم بالاصل المعنيون بتنظيم سير هؤلاء الحجاج والمتصلين بغرفة تحكم وسيطره تامه ، كل تلك شواهد  تنم عن مظهر من مظاهر الجرم الجنائي ، والفعل الضار الذي تسال بموجبهما السلطات السعوديه دوليا جنائيا ومدنيا .



2 . التأصيل القانوني للمسئولية القانونيه للسلطات السعوديه .


تمثل تلك الحالة بتوصيفها السابق الإشارة إليه وما يلحق بها بعد إنتهاء التحقيقات لو قدر لها ان تتم بشكل محايد وشفاف وإحترافي ، تمثل اعلي درجات المسئولية القانونيه الدوليه فى حق الدوله السعوديه ومسئوليها المباشرين عن إدارة عملية الحج وعلى رأسهم ولي العهد السعودي نفسه الأمير محمد بن نايف ، تنم عنها وتشي بها وتؤشر اليها مباشرة عملية إقالة كبار المسئولين السعوديين بأمر من الملك شخصيا ، وهو عمليا قد اقال كل المسئولين الكبار الذين يلون ولي العهد مباشرة والذي يتولي رئاسة شئون الحج بحكم منصبه ، مما يعد إقرارا حكوميا سعوديا ضمنيا صارخا يكاد يكون صريحا ولا يمكن الا ان  يؤخذ به ، بوجود تقصير جسيم وبالغ فى الحادثة التى وقعت تسال بموجبه الدوله السعوديه ومسئوليها قانونيا دوليا مدنيا وجنائيا عن كامل الاضرار الماديه والمعنويه ، التى وقعت للضحايا والمفقودين والجرحي وذويهم ، فضلا عن العقوبات الجنائية ، التى توقع على الأشخاص الطبيعيين اي المسئولين السعوديين ، الذين تثبت مسئوليتهم المباشرة او بالتسبب او بالإهمال الجنائي الذي يرقي لمرتبة العمد ، وذلك كله فى ضوء ما سبق ان سردناه من معطيات واضحه ومعلومه للكافة من سيطرة السلطات السعودية التامه والكامله على كل شئون الحج للدرجه التى تديرها كإدارة حركة المرور فى اي مدينه فى العالم ، وبنفس المنطق وعلى اساس نفس البنيان القانوني تسال السلطات السعوديه وهو اساس السيطره الماديه الكامله وإمتناع تاثير خطأ المجني عليه او المضرور لخطأ او إهمال او عمد السلطات المسيطره على ادارة عملية الحج .


فضلا عن ذلك فإن المسئولية الجنائية الدولية للمسئولين السعوديين متحققه بالتأكيد فى ظل المفهوم الواسع للجرائم ضد الإنسانية ، والتى تشمل كل إنتهاك متعمد او ناتج عن إهمال واسع وجسيم وعلى نحو خطير يرقي لمرتبة العمد ،  يقع على الحقوق اللصيقه بشخص الإنسان ، ومنها حقه فى الحياة ، وحقه فى الأمن ، وحقه فى ممارسة شعائره الدينيه فى قلب الأماكن التعبديه  المخصصه لذلك ، والتى لا نظير لها بالعالم وفى وقت مخصص لذلك كل عام وحسب الأنظمه المعمول بها ، بالشكل الذي يأمن فيه على نفسه وسلامته الشخصيه وبلا خطر على حياته او ضرر جسيم يلحق بصحته ، وهي حقوق واسعه وكبيره يحميها القانون الدولي الإنساني والعرف الدولي المستقر والذي يرقي لمرتبة القواعد القانونيه الآمره والمعمول بها دوليا .

-         ويمكن للدول التى تضرر حجاجها اللجوء إلي معيارين لمساءلة الدولة السعوديه جنائيا ، عبر قضاء تلك الدول انفسها ، بموجب معيار شخصية الإختصاص القضائي المرتبط بجنسية المجني عليه ، اذ تختص الدول عادة بنظر جميع الجرائم العمديه وغير العمديه التى تقع على مواطنيها ، ولو وقعت عليهم خارج اقليم دولهم التى ينتمون اليها بجنسياتهم ، كما ايضا تختص نفس الدول بموجب نفس المعيار بدعاوي التعويض المدنيه اذا كان احد اطراف الدعوي مواطن يحمل جنسيتها .

-         كذلك يجوز اللجوء إلي محاكم وطنية لدي دول مختلفة ،  تعقد الإختصاص لنفسها بموجب مبدأ عالمية الإختصاص الجنائي فى الجرائم الجنائية الكبري والخطيره ،  ومنها هذه الحاله التى تصنف فى خانة الجرائم ضد الإنسانية فى تعريفها الواسع بالنظر الي كل ما يحيط بهذه الواقعه من معطيات تم سردها .

-         فيما يخص ايضا اللجوء الي القضاء الدولي المدني فإن محكمة العدل الدولية مؤهله بحكم نظامها الأساسي لنظر الدعاوي المتوقعه ، ولكنها تحتاج لكي ينعقد لديها الإختصاص بنظر تلك الدعاوي ، أن توافق وتقبل الدوله السعوديه ولاية المحكمه على هذه الدعاوي وذلك حسب القاعده العامه المنصوص عليها فى نظام محكمة العدل الدولية .

-         يجوز ان يتم النفاذ إلي جلب إختصاص محكمة العدل الدولية ، إذ ما تم التأصيل أن الضرر المتحقق مدنيا قد وقع بالمجني عليهم نتيجة لمخالفة عرف دولي مستقر بارتكاب جريمه من جرائم ضد الإنسانية او الإبادة المشتمله على القتل او التسبب فى القتل مع العلم اليقيني بإمكانية وقوع تلك النتيجه وعدم بذل جهد كاف  لمنعها ، ناهيك عن التسبب فيها مباشرة ، غني عن البيان ان الفقه الدولي قد استقر على ان التفسير الواسع لتلك الجرائم غير مقتصر على وقوعها نتيجة لنزاعات مسلحه او عسكريه بل يكفي ان تتوافر شروط وقوعها فى ظل قيام سلطه قاهره على شئون من لا حول ولا قوة لهم فى تسيير شئونهم ، والحجيج هنا يكونون بوضع خاص اشبه بالمسيرين الذين لا يمكنهم الا السير فى جهة واحده توجههم فيها واليها قوي ناظره ومسيطره بشريا والكترونيا فيما يسمي ويطلق عليه نظرية  ( القوي المهيمنه ) التى تكفي قيام شرائطها لقيام المسئولية الجنائية والمدنيه تبعا لها فى حق تلك السلطات

تجاه من يخضعون لسلطانها وهيمنتها اذا ما تضرروا او تأذوا ، وهوالحال تحديدا الذي نواجهه هنا .



-         فوق ذلك وفى ضوء توارد اخبار عن وقوع وفيات وحالات فقد فى صفوف حجاج ايرانيين منهم مسئولين كبار امنيين وسياسيين مما يؤشر الي حالة من احتمالية العمد المباشر بسبب الخصومه السياسيه الكبيره والمحتقنه بين السعوديه وايران ، من الممكن ان تلجأ الدوله الإيرانيه مباشرة الي مجلس الأمن بطلب تشكيل لجنه تحقيق دوليه محايده ،  ومن ثم طلب إحالة الموضوع برمته إلي المحكمة الجنائية الدولية ، وقبول الدوله الإيرانيه لإختصاص المحكمه فقط فيما يخص هذه الواقعه وما يتفرع عنها .



3 . في شرعية الإقتراح بإشراف اسلامي او إدارة مشتركه لشئون الحج .

إن هذا المقترح الملح بهذا التوقيت الدقيق هو امر فى محله تماما ، إذ ان الأماكن المقدسه المتمثله فى المسجد الحرام والمسجد النبوي هما من قبيل التراث الإنساني الديني العالمي الذي يخص اكثر من مليار ونصف مليار مسلم ، وهو ليس معلما يزار فقط بل هو شعيره ، اسلاميه واجبه ، وركنا مفروضا من اركان الدين ، وبغض النظر ، عن الإدارة السيئة او الأحداث الكثيره التى وقعت وتسببت فى وفيات وجراح كبيره لأعداد غير قليله من المسلمين الحجاج ، فإن حق الدول الإسلامية اصيل فى المشاركه فى إدارة عملية الحج لشرف ذلك اولا وهو شرف لا يمكن ان تستاثر به دوله واحده مهما كانت ولأي سبب كان بعد الآن ، ولن نتطرق حاليا لتشابه وضع الأماكن المقدسه لوضع الفاتيكان ومراحل استقلاله كدوله فهذا مؤجل حاليا ولكنه يصلح اساس متين للمطالبه على الأقل بحق المشاركه والإشراف على شئون الحج لجميع الدول الإسلاميه المعنيه ،  ولتعلقه ثانيا بمواطنين لتلك الدول مباشرة وبسلامتهم .




إن التأصيل القانوني الدولي لهكذا مقترح يجد منبعه فى مبدأ التعاون بين الدول ، وسيادة الدول ايضا ، إذ لا يعقل أن تتحكم دولة واحده مهما كانت فى إدارة عمليات متعلقه بمئات الآلاف من مواطنيها الفاقدين لكل حول وقوة منذ دخولهم لأراضيها وحتي خروجهم منها ، مع شيوع الحوادث المميته والخطيره لهؤلاء ، بل اي حق لتلك البلدان الإسلامية فى التدخل فى الاشراف والإطمئنان الي سلامة اجراءات الحج ورعاية حجاجها ومواطنيها وكفالة أمنهم قدر المستطاع ، اثناء تاديتهم لشعيرة استثنائيه مؤقته بتوقيت معين ومحدد من كل عام ،  والمشاركه على الأقل فى حمل مسئولية وتبعات اية حوادث قد تقع وهو أمر لا يخل بمبدا سيادة الدول وعدم المساس بسلامة اراضيها ولا يعد تدخلا فى شئون السعوديه الداخليه لأن ببساطه شأن الحج ليس بحال من الأحوال شأنا داخليا سعوديا بل هو شأن اسلامي أممي لا يمكن إختزاله سعوديا بأي معيار ولا وفقا لأي مفهوم إلا اذا كان مفهوما اعوج لا سند له من قانون .

إن الإستبداد بإدارة ملف الحج من قبل السلطات السعوديه بغير وجه حق او ظهير من القانون الدولي الإنساني ، مع استمرار وتكرار الأخطاء الكارثيه من قبل تلك السلطات ومسئوليها ،  التى تلحق اضرارا لا يمكن برؤها باعداد ليست قليله من الحجيج ، بلا محاسبه حقيقيه ، هو امر يجب ان يتوقف ولم يعد ممكنا قبوله فى ضوء معطيات قانونيه وواقعيه وسياسيه ايضا كبيره وكثيره تحيط بالمنطقه وتلف العالم كله تؤكد ان زمان التسلط والإفلات من العقاب قد ولي ويجب ان يول ابدا  وألا يبق وتطوير اداوات القوة الناعمه لمواجهة الإستكبار والظلم البين الذي يحيق بابناء المنطقة ومنها سلاح التقاضي الدولي فى الجرائم الجنائية الكبري  .

نحن نؤكد احقية هذا المقترح والذي يجب ان يروج له قانونيا واعلاميا وسياسيا نحو اشتراك الدول الكبري التي لها النصيب الأكبر من الحجاج فى الإشتراك فى ادارة شئون الحج او المشاركه فى الإشراف عليه تحت مظلة منظمة التعاون الإسلامي الموجوده بمكه وجده ، وهو أمر نقطع انه لا يخل بسيادة حكومة وسلطات السعوديه ، بل العكس هو الصحيح ان امتناع السعوديه عن مشاركة الدول المعنيه فى هذا الملف هو تعد بالغ وصارخ على سيادة تلك الدول فى شكل تعديها المباشر عبر الإهمال الواقع على مواطني ورعايا تلك الدول ، فضلا عن استبدادها بادارة الماكن المقدسه وكانها ملك لها وهي ليست كذلك فهي ملك لجميع المسلمين ، ومن هذا المبدا يتم النفاذ إلي انتزاع ذلك الحق عبر الجهر بهذا المطلب اصولا ووفقا لميثاق الأمم المتحده نفسه والمواثيق والعهود الدوليه ذات الصله .


                                          المحامي الجنائي الدولي الدكتور السيد الشريف
                                                               ياسر الشاذلي
                                             الرئيس العام لهيئة إيلاف آل البيت العالميه
                                             الرئيس العام  للهيئة العربية الدولية للعدالة        
                                            والإنصاف ( حقوقيون ومحامون مقاومون )









ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق